بين تضليل الرأي العام واستباحة المهنة: واقعة "أيت بوكماز" تُعيد تحذيرات فدرالية الناشرين إلى الواجهة
بين تضليل الرأي العام واستباحة المهنة: واقعة "أيت بوكماز" تُعيد تحذيرات فدرالية الناشرين إلى الواجهة
خطر "صحافة الإثارة" وتزييف الواقع
أعادت واقعة فبركة شريط فيديو ونسبه زوراً إلى "مسيرة احتجاجية" بمنطقة أيت بوكماز بإقليم أزيلال، ملف الفوضى الرقمية والدخلاء على الممارسة الصحفية إلى الواجهة، بعدما قررت النيابة العامة فتح بحث قضائي لتحديد المسؤوليات وترتيب الجزاءات القانونية في حق مروجي هذه المعطيات الزائفة.
هذه الواقعة، التي استُخدمت فيها مقاطع لأنشطة سابقة مرتبطة بالحملة الانتخابية وتقديمها للرأي العام بسياق مختلق، لم تكن سوى تجسيد عملي للتحذيرات المتكررة التي ما فتئ يطلقها الفاعلون المهنيون. وكان في مقدمة هذه المواقف ما نبه إليه الفرع الجهوي للفيدرالية المغربية لناشري الصحف بجهة بني ملال-خنيفرة، بخصوص تنامي ظاهرة المتطفلين على قطاع الإعلام والاتصال.
إن خطورة مثل هذه الممارسات لا تتوقف عند حدود نشر معلومة مغلوطة، بل تمتد إلى المساس المباشر بالنظام العام والاستقرار المجتمعي. فتحوير الحقائق واختلاق احتجاجات وهمية في مناطق جبلية هادئة مثل "أيت بوكماز"، يعكس رغبة غير مسؤولة في حصد التفاعلات والمشاهدات على حساب الحقيقة، وهو ما يؤثر بشكل سلبي وخطير على المتلقي ويزرع مناخاً من التشكيك والارتباك العام.
تُبرز هذه النازلة الفارق الجوهري بين العمل الصحفي المهني الخاضع للتدقيق والمطابقة وأخلاقيات المهنة، وبين ممارسات الدخلاء الذين وجدوا في منصات التواصل الاجتماعي والصفحات غير المقيدة بالقانون وسيلة سهلة لادعاء الصفة وتوزيع الأخبار دون حسيب أو رقيب. فالمتطفل على المهنة يفتقر لأبسط أبجديات المسؤولية القانونية والاجتماعية التي تُلزم الصحفي بالتثبت من مصدر الخبر وسياقه قبل النشر.
إن تحرك النيابة العامة بأزيلال يُعد خطوة ضرورية لوضع حد لمثل هذا التسيب، والتأكيد على أن الفضاء الرقمي ليس منطقة خارجة عن القانون. غير أن المعالجة الأمنية والقضائية، على أهميتها وردعيتها، تظل في حاجة إلى تعزيز الإطار التنظيمي للمهنة، وتوسيع دائرة الوعي المجتمعي للتمييز بين المنصات الإعلامية المسؤولة وبين الصفحات العشوائية التي تعتاش على الأخبار المضللة.
لقد دقّت واقعة "أيت بوكماز" ناقوس الخطر مجدداً؛ فحماية الرأي العام من التضليل تقتضي حماية الجسم الصحفي نفسه من المتطفلين، ورد الاعتبار للإعلام الجاد كشريك أساسي في نقل الحقيقة وصون الاستقرار الجهوي والوطني.


.png)




