سبتة ومليلية وعقدة النقص الإيبيرية: السيادة المغربية خط أحمر لا تُسقطه مسرحيات البرلمانات
بقلم: محمد المخطاري / أطلس 24
لم يكن مشهد رئيس الحكومة الإسبانية وهو يستعرض عضلاته الدبلوماسية أمام نواب بلاده بالحدث المستغرب؛ بل هو فصل مكرر وبائس من مسرحيات الهروب إلى الأمام، التي تلجأ إليها مدريد كلما ضاقت بها سبل المناورة السياسية في مواجهة الرباط. إن محاولة تحويل تصريحات وزراء مغاربة أكدوا فيها على بديهية مغربية الثغور السليبة إلى "أزمة دبلوماسية"، ليست سوى صراخ على قدر الألم، واعتراف ضمني بأن الجغرافيا والتاريخ يطاردان الوعي الاستعماري الإسباني ككابوس لا فكاك منه.
حين يتحدث مسؤول مغربي عن سبتة ومليلية والجزر الجعفرية، فهو لا يُلقي تصريحاً عابراً في مزاد السياسة، بل ينطق بحقيقة تملأ صدور أربعين مليون مغربي. هؤلاء الذين لا يساومون على حبة رمل واحدة من طنجة إلى الكويرة، يدركون تماماً أن الاستعمار، مهما طال أمده وتوارى خلف الأسيجة الشائكة أو القوانين المحلية المصطنعة، يبقى جريمة واغتصاباً لا يكتسب شرعية بالتقادم. السيادة لا تُمنح بشهادات الميلاد الاستعمارية، ولا بمناورات استجداء اليمين المتطرف داخل دهاليز "الكونغرس" الإسباني.
إن التمادي الأخير لبعض الأصوات العنصرية في مدريد، ومحاولات التطاول الدنيئة على المقدسات الوطنية ورمز السيادة المتمثل في راية المملكة الشريفة وشخص جلالة الملك، يفضح إفلاساً أخلاقياً مدوياً. وهو سلوك غادر لا ينم إلا عن حقد دفين وعقدة نقص تاريخية إزاء جار عريق، كان ولا يزال الحصن الأمني واللوجستي الذي يحمي استقرار الضفة الشمالية في أوقات أزماتها المعقدة. هؤلاء الواهمون يتناسون أن المغرب الذي يتعاملون معه اليوم ليس مغرب الأمس؛ فالرباط تدير علاقاتها الدولية اليوم بمنطق القوة الإقليمية الواثقة، والندية السيادية الصارمة، لا بمنطق التابع أو المداهن.
أما اللجوء المفضوح للاحتماء بعباءة الاتحاد الأوروبي وتحويل نزاع استعماري ثنائي إلى قضية قارية، فهو حيلة العاجز الذي استشعر اختلال موازين القوى على الأرض. فمهما حاولت مدريد التخفي وراء المظلات الدولية، فإن ملف سبتة ومليلية سيظل مسألة تصفية استعمار واضحة المعالم وفق كل المواثيق، ولن تنجح المناورات الانتخابية لـ"سانشيز" أو غيره في تزييف واقع أن هذه الثغور أرض مغربية ضاربة في عمق التاريخ قبل نشأة الدولة الإسبانية الحديثة بقرون.
لقد انتهى زمن الابتزاز وذر الرماد في العيون؛ فالسيادة المغربية خط أحمر دونه الرقاب، والتفوق الاستراتيجي للمملكة بات أمراً واقعاً تفرضه حكمة القيادة وتماسك الشعب وصرامة القوات المسلحة الملكية. وعلى ساكني القصور في مدريد أن يستفيقوا من أوهام الإمبراطورية البائدة، ويعلموا يقيناً أن الحق لا يموت بالتقادم، وأن استرجاع التراب الوطني كاملاً غير منقوص هو قدر تاريخي محتوم لا رجعة فيه.




.jpeg)


