"السلطة الرابعة" في الميزان: حين يتحول التساهل المؤسساتي إلى رصاصة رحمة على الصحافة و يشرعن الفوضى
صورة تعبيرية
لم يعد النقاش حول واقع المشهد الإعلامي اليوم ترفاً فكرياً أو جدلاً معزولاً، بل أصبح ضرورة مجتمعية ملحة في ظل تنامي ظاهرة خطيرة تهدد بنسف ما تبقى من مصداقية لمهنة الصحافة. لم تعد الأزمة تقتصر على التحديات الاقتصادية فحسب، بل تفاقمت لتشمل أزمة "شرعية" أبطالها متطفلون يقتحمون الميدان، وجهات مؤسساتية تتساهل بل وتوفر لهم، بقصد أو بدونه، غطاءً للاستمرار.
إن أخطر ما يواجه الجسم الصحفي اليوم ليس مجرد وجود منتحلي صفة يبحثون عن مكاسب شخصية؛ فهؤلاء إفراز طبيعي لكل قطاع يفتقر إلى أسوار حامية. الخطر الحقيقي يكمن في التساهل المؤسساتي الذي يعبّد الطريق أمام هؤلاء الدخلاء. عندما تشرع بعض الإدارات، والولايات، والمجالس المنتخبة أبوابها لأشخاص لا يملكون من الصحافة سوى هواتف ذكية أو ميكروفونات غير مرخصة، وتمنحهم دعوات رسمية بل وامتيازات اجتماعية، فهي بذلك ترتكب خطيئة مزدوجة: تهمش الصحفي المهني الملتزم، وتُضفي شرعية مجانية على العبث.
هذا التماهي المريب بين الجهات المعنية وأشباه الصحفيين لا يمكن تفسيره إلا بغياب إرادة حقيقية لتطبيق القانون، أو ربما برغبة غير معلنة في "تمييع" المشهد. فالصحافة الحقيقية تسأل، تحاسب، وتزعج؛ بينما "صحافة الاسترزاق" تكتفي بالتقاط الصور، وتلميع الواجهات، والبحث عن موطئ قدم في لوائح الانتفاع والريع.
استمرار هذا الوضع يعني حتماً تدهور صورة الجسم الصحفي في أعين الرأي العام. المواطن لا يملك دائماً القدرة على التمييز بين صحفي مهني مؤطر بقانون الصحافة والنشر وحامل لبطاقة معتمدة، وبين منتحل صفة يتستر خلف غطاء إعلامي وهمي. النتيجة هي أن الممارسات الابتزازية، والتشهير، والبحث عن الولائم تُحسب على المهنة ككل، مما يضرب الثقة في الإعلام ويحوله من سلطة رقابية إلى كيان هش فاقد للاحترام.
أمام هذا الانزلاق الخطير، تجد الهيئات والنقابات المهنية نفسها أمام امتحان تاريخي، حيث لم يعد مقبولاً الاكتفاء بلغة التنديد والبيانات الاستنكارية. المطلوب اليوم هو الانتقال إلى فعل مؤسساتي حازم يقطع مع حالة التراخي عبر:
محاصرة الجهات المتساهلة: توجيه إنذارات للمؤسسات العمومية والتلويح بمقاطعة أنشطتها إذا استمرت في خلط الأوراق واستدعاء منتحلي الصفة.
تفعيل سيف القضاء: اللجوء إلى النيابة العامة بشكل روتيني ومباشر لمتابعة كل من يسيء للمهنة عبر انتحال صفتها لممارسة الابتزاز.
الصرامة الداخلية: تنظيف البيت الداخلي بصرامة، وتجريد كل من يثبت تورطه في ممارسات ريعية تضرب استقلاليته من صفته المهنية.
إن حماية الصحافة ليست مسؤولية الصحفيين الشرفاء وحدهم، بل هي مسؤولية مؤسساتية وقانونية بالدرجة الأولى. لا يمكن بناء مجتمع واعٍ بإعلام يتم تمييعه عمداً لتسهيل اختراقه. إما أن تتدخل الجهات الوصية لفرض سيادة القانون واحترام المهنة، وإما أن نكون شهوداً على السقوط الحر لمهنة كانت تُسمى، في يوم من الأيام، بالسلطة الرابعة.










